Name:
Location: leipzig, germany, Germany

Wednesday, November 02, 2005

في بلاد الجثث

في بلاد الجثث
2005/11/02
رشاد أبوشاورنبدأ من الدنمارك:مواطن دنمركي دار حول العالم ركضاً في سنتين!من لندن انطلق جرياً ليدور حول الأرض الكروية، أو البيضاويّة، ثمّ ليعود إلي عاصمة انطلاقه: لندن.غسبر أولسن شاب دنمركي في الخامسة والثلاثين حاليّاً، عندما بدأ مشواره كان في الثالثة والثلاثين.غسبر ركض علي كيفه حول العالم، هرولة، باندفاع شديد، الهوينا، قصدرة، طقّة نقلة، ولم يداخله خوف، ولا تحرّكت في نفسه الظنون والوساوس من أن يقبض عليه هكذا، ( تبلّي) يعني.لم يعترضه أحد: شرطيون، رجال أمن، عند حدود أي دولة، بما في ذلك دول جامعة الطوائف العربيّة المشهود لها بضراوتها في تجفيف دم، وتنشيف ريق أي مواطن عربي عند الدخول، وعند الخروج.إنه مواطن دنمركي محترم، جوازه وسحنته تيسّران له كلّ ما يحتاج، تفتحان له الأبواب، والبوّابات، والمعابر، ولا سيّما المعابر.المطارات؟لا، هو كان يركض علي الأرض، علي كيفه، بدون تذاكر سفر، بقليل من الملابس، والنقود، وبكثير من الدعم.إنه مواطن شهرته من شهرة الجبن الدنمركي اللذيذ، العالمي.لم يشّك في غسبر بأنه إرهابي، فلونه أشقر، وجوازه لا هو عربي، ولا هو مسلم.كان غسبر يركض يوميّاً 42 كيلومتراً يوميّاً ـ علي ذمته ـ وهذه المسافة بحسب ما قرأت هي المسافة الثابتة بين مّمر الماراتون والعاصمة اليونانيّة أثينا.قبل شهرين كنت في أثينا، رغبت في زيارة مّمر الماراتون، لأري أرض المعركة التي واجه فيها جيش اليونان جيوش ـ نعم جيوش ـ الملك داريوس الفارسي، وكانت المفاجأة أن انتصر الجيش اليوناني الصغير علي جيوش داريوس التي تسدّ عين الشمس، ولكن الطقس حرمني من تلك الزيارة.ركض جندي باسل فرح بالانتصار من أرض المعركة ـ الماراتون ـ إلي أثينا ليزفّ نبأ الانتصار، ويبشّر اليونانيين المرتعدين خوفاً من زحوف جيوش داريوس الغازي الآسيوي الجبّار، بالانتصار المؤزّر.لمّا وصل الجندي المجهول ـ بقيت مأثرته ونسي اسمه ـ صاح بالنبأ ثمّ سقط ميتاً من شدّة التعب. الجندي الباسل أرجا موته إلي حين رؤية فرحة الأثينيين؟ غسبر قطع حوالي 30 ألف كيلومتر ركضاً حول العالم.لم يسبق لأحد أن قطع مثل هذه المسافة. تري هل سيزيّن اسمه كتاب غينس للأرقام القياسيّة؟ الفرق بين غسبر الدنمركي الأشقر وبين أي مواطن عربي، أومسلم ، أن غسبر يركض في العالم علي كيفه، ويكرّم كبطل، والعربي تركض وراءه أجهزة كثيرة داخل بلده وحول العالم، ولذا تحوّل إلي مخلوق ينكمش، خائف، ومع السنين سيصير مواطنونا بلا أرجل، سيشبهون الشعب المرجانية التي تعتبر حيوانيّة في حين إنها لا تغادر أمكنتها.غسبر ركض حول العالم في سنتين، رأي الدنيا، وعن رحلته سيروي مغامرته في كتاب يدّر عليه ذهباً، وهو سيعامل كبطل في بلده الفخور بما أضافه لشهرة جبنتهم بصنوفها، ولأميرهم المرحوم هملت الذي خلّده شكسبير وجعل العالم يردد بكّل اللغات: نكون أو لا نكون! هذا هو السؤال.غسبر وهملت وشكسبير لو جاءوا إلي بلاد العرب فإنهم سيقضون كل حياتهم يركضون وراء الرغيف، وأمام من يطاردهم لينتزعه من أيديهم. المواطن العربي الجثّة: كأي مخلوق بشري للمواطن العربي جسد، تسكنه النفس، وكّل نفس ذائقة الموت.يعيش المواطن العربي يا..يعيش في جسده، أي بيته، غير موفور الصحّة، تعيساً، كئيباً، مقروراً.بيته مخزّق، سقفه واطئ، جدرانه متداعية، ولذا فشتاءً يرتجف برداً، وصيفاً ينزف ما في ذلك البيت ـ الجسد ـ من ماء.يقال: الدم لا يصير ماءً، ولكن دّم المواطن العربي يصير، مع إنه كائن بات عطشان لقلّة الماء وتلوّثه في بلاده.المواطن العربي يولد بني آدم ويكبر وينمو ويعيش جثّة، فهو عالة علي نفسه، لذا تراه راغباً في الموت، نافراً من الحياة، متلهّفاً علي الجنّة المأمولة.هو يصوم لله، في حين يزدرد سكّان الجثث الفخمة ـ الأجساد ـ ما لذّ وطاب.هو مشدود التفكير إلي كسب رزقه، في حين يعتصر سكّان الجثث الخمس نجوم عافيته.ولأن جسده ما عادت له حرمة، فقد لجأ إلي بيع بعض قطع هذا الجسد ـ الجثّة! يبيع كلية ويعيش بكلية، كلية واحدة تكفي؟!يبيع جزءاً من كبده! يبيع أي عضو من أعضاء جسده لأنه لا يجد عملاً يعود عليه برزق يكفيه وأسرته!.ماركس كان يكتب ليل نهار عن بيع ( قوّة ) العمل!. في بلاد العرب يا مرحوم الوالدين يبيعون منتج العمل، وقوّة العمل، ويسمسرون لحزبي الليكود والعمل!في القاهرة ـ يحدث هذا في أقطار عربية أخري، محدّش أحسن من حد! ـ نبش مواطن قبراً بعد أربع وعشرين ساعة علي دفن صاحبه. استخرج الجثّة طازجة قبل أن تبدأ محاكمتها في العالم الآخر، وباعها لأحد طلاّب كليّة الطب بـ 700 جنيه! لو بيع المرحوم حيّاً وهو جثّة تسعي لما ساوي مائة جنيه، يعني الميّت أغلي من الحي في (دول العرب)...سمعنا دائماً أن إكرام الميّت دفنه، والله علّم قابيل كيف يواري سوءة أخيه المغدور هابيل، ولكن في بلاد العرب المعاصرين، وقد صار الناس جثثاً، ما عادت للجثّة كرامة.الشرطة التي هي في خدمة الشعب قبضت علي (مواطن)، وهو يغادر المقبرة حاملاً الجثّة علي ظهره!.جثّة تحمل جثّة! أليست هذه معجزة عربيّة في القرن الحادي والعشرين! المواطن الجائع، الذي تمّ تجثيثه، وتجفيفه، لا غرابة أن ينبش قبراً ليبيع جثّة تصلح للتشريح!.يمكن لأي حاكم عربي أن يخاطب الحشود في الأعياد الوطنيّة: عيد الاستقلال، عيد الانتصار، عيد الشجرة، عيد الأم، عيد القوّات المشلّحة: أيتها الجثث المحتشدة، يا جماهير جثثنا الوفيّة، أنت اليوم جثث علي أرض الوطن، وغداً جثث في جوفها. نحن لا نفرّط بك، لا نرخّص ونبخس سعرك، نحن نبيعك بأسعار مناسبة لخير الوطن والأجيال القادمة، فوزي بالجنّة والحور العين، واتركي لنا شقاء هذه الدنيا.غسبر! هل ركضت عبر بلاد العرب؟ أأدهشك أن الجثث العربيّة في بلاد العبث تركض ليل نهار، مع إنها بلا هدف محدّد تسعي للوصول إليه؟!

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=2005\11\11-02\qpt5.htm&storytitle=ff??%20????%20?????fff

0 Comments:

Post a Comment

<< Home